الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
56
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
حظه ، فإن المحبة مبنية على إخلاص الأسرار عن خواطر الأغيار . قال أبو يزيد [ البسطامي ] : بقيت عشرين سنة أكابد المجاهدات وأكافح المراقبات ولا أجسر ألبس المرقعة وأتظاهر بالطريقة . سئل الجنيد قدّس اللَّه سرّه : متى يصل العبد إلى الكل ؟ قال : إذا ترك الكل حتى يخافه ، كأنه اختفى ، ويرجوه كأنه ولى . ثم ينتقل منها إلى سبيل المجاهدة في اللَّه وحسن الهرب إلى اللَّه خوفاً من اللَّه ، فإن من خاف في الدنيا أمن في الآخرة ، ومن التجأ إليه في سرائره وجده ناصراً له في ظواهره وضمائره . ث وأما الوله فله ثلاث منازل : أولها : السكر ، فمن سكر بكأس المحبة لا يصحو إلا بمشاهدة محبوبه ، فإن السكر ليل صباحه المشاهدة ، كما أن الصدق شجرة ثمرتها المشاهدة . تكلم الشبلي قدّس اللَّه سرّه يوماً فطاب وقته ووجد قلبه . فقال له رجل : يا أبا بكر إنا نسمع كما تسمع ، ولا يطيب وقتنا كما يطيب وقتك ، ولا تجد قلوبنا كما يجد قلبك . فصاح وأنشد : لو يسمعون كما سمعت كلامها * خروا لعزة ركعاً وسجودا فبكى السائل وقال له زدنا ، فأنشد : لي سكرتان وللندمان واحدة * شيء خصصت به من دونهم وحدي ثم ينتقل منها إلى منزلة الخشوع والتضرع والسؤال بلسان التضرع والاعتذار ، فإن من داوم الابتهال استحق الوصال . روي أن علي بن يحيى قال : صحبت شيخاً من خراسان سريع الدمعة ، حسن الخدمة ، كامل الأدب ، مجتهد بالليل ، ممسك بالنهار ، راهب الإسلام ، فكنت أسمع أكثر دعائه الاعتذار والاستغفار ، فدخل يوماً بعض كهوف ( لكام وغيرانة ) فلما أمسى رأيت أهل الجبل وأصحاب الصوامع يهرولون إليه ويتبركون به ، فلما أصبح وعزم على الخروج ، قام